مر قرنٌ بالتمام والكمال على اتفاقية سايكس- بيكو السرية التي مهدت لخريطة الشرق الأوسط الحالية.
ومع حلول هذه الذكرى، تشير الدلائل والوقائع على الأرض، خاصةً أحداث العقد الأخير، إلى أن هذه الخريطة الهشة أوشكت على السقوط، ما يدهشني ويزعجني في آنٍ واحد هي تلك الخفة التي نتعامل بها مع تلك المصيبة، للأسف مشاركة الحكام العرب العرب بقصد أو بجهل في تقسيم الشرق الأوسط وركوعهم لمخططات الغرب و اسرائيل.
قد تكون عزيزي القارئ ممن ما زالوا يحتفظون بشراذم ثقة بالمؤسسات السيادية التقليدية في الدول العربية، وبالتالي تظن أنهم على علم ودراسة وافية لتلك المخططات، وأنهم يعملون بدهاء على إجهاضها دون الإعلان عن جهودهم بما يتفق مع متطلبات الأمن القومي وطبيعتها التي تقتضي السرية، إذا كنت واحدًا من هؤلاء ، أؤكد لك أن الحكام العرب جزء من المخطط منهم بجهلهم ومنهم بالأشتراك الفعلي في تقسيم الشرق الأوسط حفاظا علي كراسيهم فقط .
خطة يينون 1982:
اذا حاولت أن تبحث على النت عن صورة لأودد يينون، ففي الأغلب لن تجد له إلا تلك الصورة التي يظهر فيها خلف أرييل شارون، بينما يحتسي الثاني شرابًا فيما يبدو أنه احتفال. الرجل شديد الغموض، نادر الظهور، والمعلومات عنه شحيحة للغاية، لكن المؤكد أنه قد عمل لفترة طويلة في المخابرات والخارجية الإسرائيلية، وأنه العقل المدبر للعديد من استراتيجيات حزب الليكود الذي يهيمن على الحكم حاليًا في الكيان الصهيوني، نشر يينون خطته في مجلة (كيفونيم) .
وأختصار خطتة تأتي في الصورة المرفقة .
وهذا هو الحال الذي نحن فيه الأن حيث أنتشرت الحروب في المنطقة علي أساس طائفي وأصبحت الدول العربية هشة وأنتشر الجهل والفقر في معظم البلدان العربية سببها حكام مواليين للغرب .
إن ما يجعل مشروع الشرق الأوسط الجديد وشيكاً، هو الوثائق التي تمّ كشفها في موقع "ويكيليكس" حول الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان، وكذلك الوثائق التي كانت تخرج بين الحين والآخر حول الدول العربية التي تشهد اضرابات .. وما يؤكد ذلك الكلام المقال الذي أنتشر في جريدة يدعوت أحرنوت للمحلل والمفكر الاسرائيلي "جاي بخور".
جاي بخور (في يديعوت أحرونوت يوم 27/7/2006) قام بتقديم خطته لإعادة صياغة الشرق الأوسط
يبدأ المقال بالقول إنه يجب عدم العودة للشرق الأوسط القديم الذي يصفه الكاتب بأنه "توجد فيه دولة ذات نظام مجنون تتسلح بسلاح ذري وتسلح رفيقاتها (وهذا بطبيعة الحال لا يعني إسرائيل بل يعني ايران وسوريا) والعراق غارق في حرب أهلية، ومنظمات راديكالية تسيطر علي حكومات ونظم حكم، وهذه بدورها تمنح جماعات مخربين مسلحة دعماً قوياً وعلاقة متسامحة.
ثم يستأنف بخور الحديث قائلا: ثمة حاجة إلى تغيير جوهري، فلم تنجح هذه الدول في منح مواطنيها حياة ثقافية كاملة، ومعظم شعوبها فقيرة، وهي دول تتسم كلها بالطغيان والأستبداد والقمع ولا تُنطق كلمة الديمقراطية ولو في دولة واحدة، وإذا ما تمت محاولة ديمقراطية في بعضها، فإن النتيجة تكون تولي نظم إرهابية إسلامية أو فوضى والسبب أن النظم العسكرية في هذة البلدان لن تتنازل بالسهولة عن الحكم وعلي أستعداد الدخول في حرب باردة ضد شعوبهم للبقاء في الحكم ".
ويقترح جاي بخور "أن يُقسم العراق إلى ثلاث دول، بحسب مقياس طائفي: سُنية في الوسط والغرب، وشيعية في الجنوب، وكردية في الشمال، كما يجب إنهاء نظام سوريا وإعادة الأكثرية السُنية إلى الحكم.
وعلي الأردن أن يتحمل المسؤولية عن الضفة الغربية، وبهذا ينشأ كيان فلسطيني واحد فينتشر الفلسطينيون إلى الشرق (بعيدا عن إسرائيل بطبيعة الحال) لا إلى الغرب في اتجاه الدولة الصهيونية والمطالبة بحق العودة.
أما مصر فستصبح مسؤولة عن قطاع غزة، وهو شيء –حسب تصوره- أصبح يحدث في الواقع أكثر فأكثرويجب أقامة منطقة عازلة كبيرة للقضاء علي المسلحين في غزة حيث أنهم الخطر الأكبر . ويجب إعاقة إيران بواسطة نظام عقوبات شامل، ويجب أن يقوم في لبنان نظام دولي جنوب الدولة وشرقها، لمنع عودة الأصولية الشيعية أو غيرها.
وماذا عن شعوب المنطقة؟ يري بخوم أن الشعوب سترحب أيما ترحيب بهذا، بعد أن ينتشر الجوع والفقر في هذة البلدان وزيادة الأستبداد والقمع من حكماهم .
"فسكان العراق يشتاقون إلى الاستقرار، ومن المؤكد أن الأكثرية السُنية في سوريا تطمح إلى إنهاء سلطة القلة العلوية، وفي الأردن 80% في الأصل من السكان فلسطينيون، والملك متزوج بفلسطينية، وأبناؤه نصف فلسطينيين.
وسيفرح سكان الضفة الغربية أيضاً بإنشاء دولة فلسطينية كبيرة. وفيما يتعلق بمصر، لابد أن ننمي فيها فكرة غزة الفائرة والملتهبة تعني سيناء الخطرة، وتهديد السياحة والاستقرار السياسي والاجتماعي كله فتتجه الي عرقلة المسلحين وتضيق الخناق علي غزة وعمل منطقة عازلة .
الشرق الأوسط الجديد أصبح واقع :
مديرا جهازي الاستخبارات الفرنسي والأميركي أدليا بتصريحات تصب في هذا الاتجاه.
ففي مؤتمر حول الاستخبارات نظمته جامعة جورج واشنطن، في العاصمة الأميركية، قال مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه "إن الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة... سوريا مقسمة والنظام لا يسيطر إلا على ثلث مساحة البلاد... وتنظيم "داعش" يسيطر على المنطقة الوسطى... الأمر نفسه ينطبق على العراق...ما تبقي فقط بعض المناطق الأستراتيجية في المنطقة لابد أن ترفع الدول المسيطرة علي هذة المناطق يدها عن هذة المناطق لا أعتقد أن هناك إمكانية للعودة إلى الوضع السابق".
وأعرب باجوليه عن "ثقته" في أن "المنطقة ستستقر مجددا في المستقبل لكنها ستكون مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية".
وزكى هذه النظرة نظيره الأمريكي جون برينان الذي قال: "عندما انظر إلى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن يصعب علي أن اتخيل وجود حكومات مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية.... الحل العسكري مستحيل في أي من هذه الدول الأن .ولابد من مساعدة أصدقائنا بالمنطقة لوضع الشكل النهائي لتقسيم المنطقة
هل ترى أن "الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة"؟ كما قال مدير جهاز الاستخبارات الفرنسي.
هل اقتربت مرحلة تنفيذ خارطة "الشرق الأوسط الجديد" على الأرض؟


تعليقات
إرسال تعليق